عندما يسقط ( متعب ابن تعبان ) في إمتحان حقوق الانسان – نزار قباني

By ameralamir

مواطنون دونما وطن … مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن … مسافرون دون أوراق .. و موتى دونما كفن … نحن بغايا العصر … كل حاكم يبيعنا ويقبض الثمن … نحن جواري القصر … يرسلوننا من حجرة لحجرة … من قبضة لقبضة … من مالك لمالك ومن وثن الى وثن … نركض كالكلاب كل ليلة … من عدن لطنجة … ومن طنجة الى عدن … نبحث عن قبيلة تقبلنا … نبحث عن ستارة تسترنا … وعن سكن ……. وحولنا أولادنا … إحدودبت ظهورهم وشاخوا … وهم يفتشون في المعاجم القديمة … عن جنة نظيرة … عن كذبة كبيرة … كبيرة … تدعى الوطن … مواطنون نحن فى مدائن البكاء … قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء … حنطتنا معجونة بلحم كربلاء … طعامنا .. شرابنا … عاداتنا .. راياتنا … زهورنا .. قبورنا … جلودنا مختومة بختم كربلاء … لا أحد يعرفنا فى هذه الصحراء … لا نخلة .. ولا ناقة … لا وتد .. و لا حجر … لا هند .. لا عفراء … أوراقنا مريبة … أفكارنا غريبة … أسماؤنا لا تشبه الأسماء … فلا الذين يشربون النفط يعرفوننا … ولا الذين يشربون الدمع والشقاء … معتقلون داخل النص الذي يكتبه حكامنا … معتقلون داخل الدين كما فسره إمامنا … معتقلون داخل الحزن .. وأحلى ما بنا أحزاننا … مراقبون نحن في المقهى .. و في البيت … و في أرحام أمهاتنا … حيث تلفتنا وجدنا المخبر … السري في انتظارنا … يشرب من قهوتنا … ينام في فراشنا … يعبث في بريدنا … ينكش في أوراقنا … يدخل في أنوفنا … يخرج من سعالنا … لساننا .. مقطوع … ورأسنا .. مقطوع … و خبزنا مبلل بالخوف … والدموع … إذا تظلمنا إلى حامي الحمى … قيل لنا : ممنـــوع … وإذا تضرعنا إلى رب السما … قيل لنا : ممنوع … وإن هتفنا .. يا رسول الله كن … في عوننا … يعطوننا تأشيرة من غير ما رجوع … وإن طلبنا قلماً لنكتب القصيدة … الأخيرة … أو نكتب الوصية الأخيرة … قبيل أن نموت شنقاً … غيروا الموضوع …. يا وطني المصلوب فوق حائط … الكراهية … يا كرة النار التي تسير نحو الهاوية … لا أحد من مضر .. أو من بني ثقيف … أعطى لهذا الوطن الغارق بالنزيف … زجاجة من دمه … أو بوله الشريف … لا أحد على امتداد هذه العباءة المرقعة … أهداك يوماً معطفاً أو قبعة … يا وطني المكسور مثل عشبة الخريف … مقتلعون نحن كالأشجار من مكاننا … مهجرون من أمانينا وذكرياتنا … عيوننا تخاف من أصواتنا … حكامنا آلهة يجري الدم الأزرق فى عروقهم … ونحن نسل الجارية … لا سادة الحجاز يعرفوننا .. و لا رعاع البادية … و لا أبو الطيب يستضيفنا .. ولا أبو العتاهية … إذا مضى طاغية … سلمنا لطاغية … مهاجرون نحن من مرافئ التعب … لا أحد يريدنا … من بحر بيروت إلى بحر العرب … لا الفاطميون .. و لا القرامطة … و لا المماليك … و لا البرامكة … ولا الشياطين .. ولا الملائكة … لا أحد يريدنا … لا أحد يقرؤنا … في مدن الملح التى تذبح في العام ملايين الكتب … لا أحد يقرؤنا في مدن صارت بها مباحث الدولة عرّاب الأدب … مسافرون نحن في سفينة الأحزان … قائدنا مرتزق … و شيخنا قرصان … مكومون داخل الأقفاص كالجرذان … لا مرفأ يقبلنا … لا حانة تقبلنا … كل الجوازات التي نحملها … أصدرها الشيطان … كل الكتابات التى نكتبها لا تعجب السلطان … مسافرون خارج الزمان … والمكان … مسافرون ضيعوا نقودهم .. وضيعوا متاعهم … ضيعوا أبناءهم .. وضيعوا أسماءهم..وضيعوا إنتماءهم .. و ضيعوا الإحساس بالأمان … فلا بنو هاشم يعرفوننا .. و لا بنو قحطان … و لا بنو ربيعة .. و لا بنو شيبان … و لا بنو ” لينين ” .. يعرفوننا .. ولا بنو ” ريجان ” … يا وطني .. كل العصافير لها منازل … إلا العصافير التي تحترف الحرية … فهي تموت خارج الأوطان ….

الأوسمة: , , ,

رد واحد إلى “عندما يسقط ( متعب ابن تعبان ) في إمتحان حقوق الانسان – نزار قباني”

  1. karimakamilya يقول:

    wonderful, wonderful ,wonderful
    nizar kabani you are always the best

اترك رد