أم المؤمنين تأكل أولادها ….. ( 16 ) - نبيل فياض

حرب الجمل :
لمّا كنّا قد ناقشنا «حرب الجمل» في أكثر من عمل لنا، فسوف نكتفي هنا باستعراض سريع لمجريات تلك الحرب، مع بعض التوقف عند مرتكزاتها الأساسية.
فبعد مقتل عثمان، أكثر الناس على طلحة والزبير واتهموهما بقتله. احتدم النقاش بشأن مسألة خلافة عثمان؛ فقال الزبير: قد تشاورنا فرضينا علياً، فبايعوه. فقال علي: ليس ذلك إليكم، إنما هو لأهل الشورى وأهل بدر، فمن رضي به أهل الشورى وأهل بدر فهو الخليفة. لكن ما أمضى عليّ خليفة، هو قول عامة الناس: يمضي قتل عثمان في الآفاق والبلاد فيسمعون بقتله، ولا يسمعون أنه بويع لأحد فيثور كلّ رجل منهم في ناحية، فلا نأمن أن يكون في ذلك الفساد، فارجعوا إلى عليّ .
يتحدث ابن سعد في طبقاته عن بيعة علي، فيقول: «بويع لعلي بن أبي طالب (رض) بالمدينة، الغد من يوم قتل عثمان، بالخلافة؛ بايعه طلحة والزبير، وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو … وعمار بن ياسر وأسامة بن زيد وسهل بن حنيف وأبو أيوب الأنصاري ومحمد بن مسلمة وزيد بن ثابت وخزيمة بن ثابت وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله (ص) وغيرهم، ثم ذكر طلحة والزبير أنهما بايعا كارهين غير طائعين، وخرجا إلى مكة وبها عائشة». ويقال في أسد الغابةعن بيعة علي: «كان أول من بايعه طلحة بلسانه وسعد بيده، فلما رأى عليّ ذلك، خرج إلى المسجد، فصعد المنبر، فكان أول من صعد إليه فبايعه، طلحة، تابعه الزبير». لكن لماذا انضم طلحة والزبير إلى عائشة في مكة في ثورتها ضد علي؟
يبدو أن العامل المادّي هو السبب المباشر لذلك. فقد أراد طلحة إمارة الكوفة، وأراد الزبير إمارة البصرة، فرفض الخليفة ؛ تقول إحدى الروايات: «كان الزبير لا يشك في ولاية العراق، وطلحة في اليمن … قال الزبير: هذا جزاؤنا من علي، قمنا له في أمر عثمان، حتى أثبتنا عليه الذنب وسببنا له القتل، وهو جالس في بيته، وكفي الأمر. فلما نال ما أراد، جعل دوننا غيرنا.
[وبرّر عليّ لابن عباس سبب رفضه لطلبيهما، بقوله]: إن العراقين بهما الرجال والأموال، ومتى تملّكا رقاب الناس، يستميلا السفيه بالطمع، ويضربا الضعيف بالبلاء، ويقويا على القوي بالسلطان» . - ونلاحظ، كالعادة، تضارب الروايات بشأن الأمصار التي طلب الإثنان من عليّ ولايتها.
إضافة إلى ما سبق، زاد عليّ بأن ساوى بينهما وبين سائر المسلمين في العطاء، مخالفاً بذلك سنة عمر، التي يبدو أنه اخترعها دون سند شرعي.
جاء الإثنان إلى عليّ يزعمان أنهما يريدان العمرة في مكة؛ فقال علي: «والله ما أرادا العمرة، ولكن أرادا الغدرة». ولحق بالإثنين بنو أمية، الذين وافاهم إلى مكة ولاة عثمان الذين عزلهم علي.
الأمويون :
كان الأمويون المستفيد الأول والأخير من حرب الجمل.
فهم، من جهة، قتلوا رموزاً إسلامية هامة كان يمكن أن تنافسهم مستقبلياً على الخلافة؛ وأضعفوا، من جهة أخرى، علياً بحيث استطاعوا، مع تراكم الضربات والمؤامرات، إسقاط خلافته وبالتالي خطه - مرة وإلى الأبد.
إن عائشة هي المسؤولة الأولى - وربما الأخيرة - عن هذه السلسلة من المآسي المتراكمة. فقد قادتها عاطفتها القبلية - وربما غير القبلية - إلى الاستماتة في إيصال ابن عمها، طلحة، إلى رأس الهرم في الدولة الفتية. وكانت النتيجة أن خسرت عائشة كلّ شيء: كادت أن تُسبى لولا سماحة أخلاق علي؛ قتل ابن عمها طلحة؛ قتل زوج أختها الزبير؛ ومعهما ألوف مؤلفة من خيار المسلمين. وكان أهم الأمويين في معسكر عائشة :
مروان بن الحكم :
«لما خرج طلحة والزبير وعائشة من مكة، يريدون البصرة [لحرب علي]، خرج معهم سعيد بن العاص ومروان بن الحكم… [فقال سعيد]: قد زعمتم، أيها الناس، أنّكم إنّما تطلبون بدم عثمان، فإن كنتم تريدون، فإنّ قتلة عثمان على صدور هذه المطى وأعجازها، فميلوا عليهم بأسيافكم وإلاّ فانصرفوا إلى منازلكم ولا تقتلوا في رضى المخلوقين أنفسكم… فقال مروان بن الحكم: بل نضرب بعضهم ببعض، فمن قتل كان الظفر فيه، ويبقى الباقي، فنطلبه وهو ضعيف».
رغم أن طلحة ومروان كانا في المعسكر ذاته المعادي لعلي، فقد قتل مروان طلحة. تقول رواية الطبقات: « كان مروان مع طلحة في الخيل، فرأى فرجة في درع طلحة، فرماه بسهم فقتله». ويفصّل أسد الغابة المسألة، فيقول: «كان سبب قتل طلحة أن مروان بن الحكم رماه بسهم في ركبته، فجعلوا إذا أمسكوا فم الجرح، انتفخت رجله، وإذا تركوه جرى. فمات منه. فقال مروان: لا أطلب بثأري [لعثمان] بعد اليوم. والتفت إلى أبان بن عثمان، فقال: قد كفيتك بعض قتلة أبيك» .
في حرب الجمل، «ثبتت عائشة، وحماها مروان في عصابة، فأحدق بهم علي… و[كان] كلمّا وثب رجل يريد الجمل، ضربه مروان بالسيف وقطع يده، حتى قطع نحو عشرين يداً من أهل المدينة والحجاز والكوفة، حتى أتي مروان من خلفه، فضرب ضربة فوقع، وعرقب الجمل الذي عليه عائشة، وانهزم الناس، وأسرت عائشة، وأسر مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان وموسى بن طلحة وعمرو بن سعيد بن العاص. فقال عمّار لعلي: أقتل هؤلاء الأسرى!!! فقال علي: لا أقتل أسير أهل القبلة إذا رجع ونزع».
يعلى بن أمية :
«استعمله عثمان على صنعاء… وأعان الزبير [في حرب الجمل] بأربعمائة ألف؛ وحمل سبعين رجلاً من قريش، وحمل عائشة على الجمل الذي شهدت القتال عليه، واسم الجمل عسكر». وفي رواية أخرى: «جهزهم يعلى بن أمية بستمائة بعير وستمائة ألف درهم» . وفي رواية ثالثة، أن يعلى بن أمية اشترى عسكر «بثمانين ديناراً». وأخرج الطبري عن الزهراني، قوله: «ثم ظهرا، يعني طلحة والزبير، إلى مكة، بعد قتل عثمان بأربعة أشهر، وابن عامر يجر الدنيا؛ وقدم يعلى بن أمية معه بمال كثير، وزيادة عن أربعمئة بعير، فاجتمعوا في بيت عائشة (رض)، فأداروا الرأي، فقالوا: نسير إلى عليّ فنقاتله. فقال بعضهم: ليس لكم طاقة بأهل المدينة، ولكنا نسير حتى ندخل البصرة والكوفة؛ ولطلحة بالكوفة شيعة وهوى وللزبير بالبصرة هوى ومعونة. فاجتمع رأيهم على أن يسيروا إلى البصرة وإلى الكوفة، فأعطاهم عبد الله بن عامر مالاً كثيراً وإبلاً، فخرجوا في سبعمائة رجل من أهل المدينة والكوفة، ولحقهم الناس حتى كانوا ثلاثة آلاف رجل».
عبد الله بن عامر :
يحدثنا عنه ابن سعد في طبقاته ، فيقول: «ابن خال عثمان [ - أو: «خال عثمان بن عفان وابن عمة النبي (ص)- ]، ولاّه البصرة، فافتتح خراسان كلها وأطراف فارس وسجستان وكرمان وزابلستان … قدم على عثمان بالمدينة، فقال له عثمان: صل قرابتك وقومك! ففرّق في قريش والأنصار شيئاً عظيماً من الأموال والمكسوات… وظلّ والياً على البصرة إلى أن قتل عثمان؛ فلما سمع ابن عامر بقتله، حمل مافي بيت المال، وسار إلى مكة، فوافى بها طلحة والزبير وعائشة، وهم يريدون الشام؛ فقال: بل ائتوا البصرة، فإن لي بها صنائع، وهي أرض أموال، وبها عدد الرجال». لكن سعيد بن العاص، يقول: «أما الأموال فعنده، وأما الرجال فلا رجل». وكان عبد الله قد هرب ليلاً من البصرة، بعدما بايع أهلها علياً؛ وقد جهّز الرجل معسكر عائشة، على ما قاله المسعودي ، بألف ألف درهم، ومائة من الإبل، وغير ذلك.
نساء النبي الأخريات :
باستثناء عائشة، فقاموس حرب أمير المؤمنين وأمهم، لا يذكر سوى اسم أم سلمة المخزومية، زعيمة الحلف المعادي لعائشة وحلفها، وحفصة بنت عمر، يد عائشة اليمنى وصديقتها اللدود - وذلك من بين نساء النبي. وكان طبيعياً بالتالي أن تقف أم سلمة بجانب عليّ وحلفه، وحفصة بجانب عائشة ومعسكرها. فقبيل حرب الجمل، كتبت أم سلمة، وكانت في مكّة، إلى علي، تقول: «أما بعد! فإن طلحة والزبير وأشياعهم، أشياع الضلالة؛ يريدون أن يخرجوا بعائشة، ومعهم عبد الله بن عامر؛ يذكرون أن عثمان قتل مظلوماً؛ والله كافيهم بحوله وقوته! ولولا ما نهانا الله عن الخروج، وأنت لم ترضَ به، لم أدع الخروج إليك والنصرة لك. ولكني باعثة إليك بابني، وهو عدل نفسي، عمر بن أبي سلمة، يشهد مشاهدك كلها، فاستوصِ به، يا أمير المؤمنين، خيراً… فلما قدم على عليّ أكرمه، ولم يزل معه حتى شهد مشاهده كلها». وفي رواية أخرى، يقال: «فلما قدم عمر على عليّ (ع) أكرمه، ولم يزل معه حتى شهد مشاهده كلها. ووجهه أميراً على البحرين». من ناحية أخرى، فقد قالت أم سلمة لعائشة لمّا همت الأخيرة بالخروج إلى حربها مع أمير المؤمنين: «يا عائشة! إنك سدة بين رسول الله (ص) وبين أمته، حجابك مضروب على حرمته، وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه، وسكّن الله عقيرك فلا تصحريها، الله من وراء هذه الأمة، قد علم رسول الله مكانك لو أراد أن يعهد فيك عهداً، بل قد نهاك عن الفرطة في البلاد؛ ما كنت قائلة لو أن رسول الله (ص) قد عارضك بأطراف الفلوات ناصّة قلوصك مقوداً من منهل إلى منهل؟! إن بعين الله مثواك! وعلى رسول الله (ص) تعرضين، ولو أمرت بدخول الفردوس لاستحييت أن ألقى محمداً هاتكة حجاباً جعله الله علي، فاجعليه سترك، وقاعة البيت قبرك، حتى تلقيه وهو عنك راض… فقالت عائشة: يا أم سلمة، ما أقبلني لوعظك، وأعرفني بنصحك، ليس الأمر كما تقولين، ولنعم المطلع مطلعاً أصلحت فيه بين فئتين متناحرتين». بالمناسبة، فالمصادر الاسلامية لا تذكر شيئاً عن الوسيلة التي تم بها تسجيل هذا الحديث، المفخم للغاية، الخاص للغاية، بين اثنتين من أمهات المؤمنين!!
تخبرنا تلك المصادر أيضاً، أنه لمّا جاءتها عائشة تطلب منها الخروج معها للمطالبة بالثأر لعثمان، ردّت أم سلمة: «إنك كنت بالأمس تحرّضين على عثمان، وتقولين فيه أخبث القول، وما كان اسمه عندك إلا نعثلاً، وإنك لتعرفين مكانة عليّ عند رسول الله (ص)».
بالمقابل، فقد «أرادت حفصة المسير معهم [لقتال علي]، فمنعها أخوها عبد الله». لكن مشاعر حفصة كانت دائماً مع عائشة. ذكر أبو مخنف أنه لما نزل عليّ ذا قار، كتبت عائشة إلى حفصة بنت عمر: «  أما بعد! فإني أخبرك أن علياً نزل ذا قار وأقام بها مرعوباً خائفاً لما بلغه من عدتنا وجماعتنا، فهو بمنزلة الأشقر: إن تقدّم عقر، وإن تأخر نحر!! فدعت حفصة جواري لها يتغنين ويضربن بالدفوف؛ فأمرتهن أن يقلن في غنائهن :
ما الخبرِ! ما الخبرِ! عليّ في السفرِ؛ كالفرس الأشقرِ؛ إن تقدّم عقر، وإن تأخر نحر.
وجعلت بنات الطلقاء يدخلن على حفصة، ويجتمعن لسماع ذلك الغناء! فبلغ أم كلثوم بنت عليّ [ زوجة أبيها]، فلبست جلابيبها، ودخلت عليهن في نسوة متنكرات، ثم أسفرت عن وجهها؛ فلما عرفتها حفصة، خجلت واسترجعت؛ فقالت أم كلثوم: لئن تظاهرتما عليه منذ اليوم، لقد تظاهرتما على أخيه [النبي] من قبل، فأنزل الله فيكما ما أنزل! فقالت حفصة: كفى، رحمك الله! وأمرت بالكتاب فمزّق، واستغفرت الله» .
محمد بن أبي بكر :
قد يكون محمد بن أبي بكر الحلقة الضعيفة الوحيدة في معسكر علي. فهو متهم فعلاً بقتل عثمان. ويبدو أن الأحداث المتلاحقة لم تتح أمام عليّ مجالاً كي يولي مسألة قتل عثمان ما تستحقه من الأهمية. تقول إحدى الروايات: «جاء عليّ إلى امرأة عثمان، فقال لها: من قتل عثمان؟ قالت: لا أدري؛ دخل عليه رجال لا أعرفهم، إلا أن أرى وجوههم، وكان معهم محمد بن أبي بكر… فقال [محمد]: صدقت! قد والله دخلت عليه، فذكر لي أبي، فقمت عنه، وأنا تائب إلى الله تعالى! والله ما قتلته، ولا أمسكته! فقالت: صدق، ولكن هو أدخلهم». لكن هذا لا ينفي التهمة، بأية حال، عن محمد ابن أبي بكر. وكثير مما تبقى لنا من شواهد، يؤكد دور محمد في قتل الخليفة. فعلى سبيل المثال، كان الحسن، بسبب دور محمد في قتل عثمان، «لا يسميه باسمه، إنما كان يسميه الفاسق». كذلك فربما تكون طريقة قتل محمد بن أبي بكر الدليل الأفضل على اعتقاد الناس عموماً، وبني أمية خصوصاً، على أنه قاتل عثمان. ورد في المروج: «أخذه معاوية بن خديج وعمرو بن العاص وغيرهما، فجعلوه في جلد حمار وأضرموه بالنار … وقيل إنه فُعل به ذلك وبه شيء من الحياة؛ وبلغ معاوية [بن أبي سفيان] قتل محمد وأصحابه، فأظهر الفرح والسرور». وكان معاوية بن خديج قال لمحمد قبل أن يقتله: «قتلت ثمانين من قومي في دم الشهيد عثمان، وأتركك ، وأنت صاحبه». أخيراً، كانت عائشة ذاتها غاضبة على أخيها محمد لسعيه على عثمان - وربما لوجوده في معسكر عليّ - وكانت تسمّيه مذمماً، وتقول: «قتل الله مذمماً بسعيه على عثمان».
حرب المبشّرين بالجنة !
«خرج أصحاب الجمل… من مكة، وأذّن مروان… ثم جاء حتى وقف عليهما [طلحة والزبير]، فقال: على أيكما أسلّم بالأمرة وأؤذن بالصلاة؟ فقال عبد الله بن الزبير: على أبي عبد الله! وقال محمد بن طلحة: على أبي محمد! فأرسلت عائشة إلى مروان، فقالت: مالك؟ أتريد أن تفرق أمرنا! ليصلّ ابن أختي، [عبد الله بن الزبير]، فكان يصلّي بهم حتى قدم البصرة، فكان معاذ بن عبيد الله، يقول: والله لو ظفرنا لافتتنا، ما خلّى الزبير بين طلحة والأمر، ولا خلّى طلحة بين الزبير والأمر».
«لما خرج طلحة والزبير إلى البصرة، كتبت أم الفضل بنت الحارث، يعني زوجة العباس ابن عبد المطلب (رض) إلى عليّ بخروجهم؛ فقال علي: العجب! وثب الناس على عثمان فقتلوه وبايعوني غير مكرهين، وبايعني طلحة والزبير، وقد خرجا بالجيش إلى العراق».
لمّا اقتربت عائشة من البصرة، أرسل واليها، عثمان بن حنيف، أبا الأسود الدؤلي، ليستعلم منها عن سبب مجيئها، فقالت إنها جاءت تطلب الثأر لعثمان. ولما أجابها بأن قتلة عثمان ليسوا في البصرة، قالت بأنها قادمة كي تستنهض أهل البصرة كي يغضبوا لدم عثمان من قتلته الموجودين ضمن معسكر علي. لكن أبا الأسود زعم بأن خروجها هو خروج على كتاب الله وسنّة نبيه، وأن أبناء عثمان أولى بالثأر لأبيهم منها. وعندما اكتشف الدؤلي أن طلحة والزبير يحملان رأي عائشة ذاته، عاد إلى عثمان ابن حنيف ، وقال له: إنها الحرب، فتأهب لها .
كان كثيرون من أبرز وجوه المجتمع الإسلامي آنذاك يرفضون خروج عائشة لحرب عليّ جملة وتفصيلاً، معتبرين إياه، كغيرهم، خروجاً على الكتاب والسنّة. وكان ضمن هؤلاء: زيد بن صوحان العبدي، جارية بن قدامة السعدي ، والأحنف بن قيس. في حين استنكر عبد الله بن حكيم على طلحة خروجه مطالباً بدم عثمان وهو الذي خلعه ودعا إلى قتله، وبايع من بعده عليّ بن أبي طالب.
اندلعت الحرب بين جيش عائشة وجماعة عثمان بن حنيف، لكن الطرفين عادا للصلح، وأرجئ الأمر إلى ما بعد وصول عليّ إلى البصرة، وكتب عهد بين المتحاربين. لكن حزب عائشة نقض العهد. فقد خرجوا في ليلة مظلمة ذات ريح ومطر، بعدما تأكدوا من أن ابن حنيف لا يشك فيهم، وقد لبسوا الدروع وظاهروا فوقها الثياب، فانتهوا إلى المسجد وقت صلاة الفجر، وكان ابن حنيف سبقهم إلى المسجد، فلما تقدّم ليصلي، أخّره أصحاب طلحة والزبير وقدّموا الزبير، وتشاحن الطرفان حتى كادت الشمس تطلع. ثم غلب الزبير، فصلّى بالناس. ولما فرغ من صلاته، صاح بأصحابه المسلّحين، أن خذوا عثمان بن حنيف، فلما أُسر ضُرب ونُتف شعر وجهه ورأسه، وأخذوا الشرطة وحرّاس بيت المال، وهم سبعون رجلاً، فانطلقوا بهم وبعثمان بن حنيف إلى عائشة، التي قالت لأبان بن عثمان: اخرج إليه فاقتله فإن الأنصار قتلوا أباك!
لكن عثمان بن حنيف هدّد عائشة وفريقها بأخيه، خليفة عليّ على المدينة، وقال إنهم إن قتلوه، فسيقتل أخوه كلّ أهلهم هناك! فكفّوا عنه! وأمرت عائشة الزبير بقتل الشرطة وحرّاس بيت المال، فذبحهم الزبير كما تذبح الغنم.
بقيت طائفة منهم مستمسكين ببيت المال، وقالوا: لا ندفعه إليكم حتى يقدم أمير المؤمنين! أي علي! فسار إليهم الزبير في جيشه ليلاً، فأوقع بهم وأخذ منهم خمسين أسيراً، فقتلهم صبراً! فكان هذا الغدر بعثمان بن حنيف أول غدر في الإسلام، وكان قتل الشرطة وحرّاس بيت المال أول قوم ضربت أعناقهم في الإسلام صبراً، وكانوا مئة وعشرين رجلاً؛ وقيل: كانوا أربعمائة رجل. ثم طردوا عثمان بن حنيف، فلحق بعلي، فلما رآه بكى، وقال له: فارقتك شيخاً وجئتك أمرداً! فقال علي: إنّا لله وإنا إليه راجعون.
الجمل الأصغر :
لما بلغ حكيم بن جبلة، سيّد عبد القيس، ما صنع القوم بعثمان بن حنيف وخُزّان بيت مال المسلمين وغير ذلك، خرج في ثلاثمائة من قومه؛ فتصدّى له جيش عائشة، التي حملوها على جمل، فسمّي ذلك اليوم يوم الجمل الأصغر، مقارنة بيومها مع علي، يوم الجمل الأكبر. وانجلت المعركة عن مقتل كلّ بني عبد القيس، بمن فيهم حكيم بن جبلة وأخوته الثلاثة وابنه.
من الجدير بالذكر، أن طلحة والزبير اختلفا في من يصلّي بالناس هنا أيضاً؛ فأصلحت بينهما عائشة، فجعلت يوماً لعبد الله بن الزبير ويوماً لمحمد بن طلحة. وقيل إنهم لما دخلوا بيت المال، ورأوا ما فيه من الأموال، قرأ الزبير، وقد استفزه الفرح: وعدكم الله مغانم كثيرة فجعل لكم هذه! فنحن أحق بها من أهل البصرة .
حوارات المبشرين … بالجنّة !!
تروي المصادر أن علياً ذكّر الزبير بقول النبي لعلي: ليقتلنّك ابن عمتك [الزبير] هذا، وهو لك ظالم؛ فرجع الزبيررافضاً قتاله. ولما استفزّه ابنه عبد الله، متهماً إياه بالجبن، ردّ الزبير: ويحك! إني قد حلفت له أن لا أقاتله! فقال له ابنه: كفّر عن يمينك بعتق غلامك سرجس. فأعتقه، وقام في الصف الأول معهم.
تذكر رواية أخرى أن علياً قال للزبير: أتطلب مني دم عثمان وأنت قتلته؟ لسلّط الله على أشدّنا عليه اليوم ما يكره! ودعا عليّ طلحة، فقال: يا طلحة، جئت بعرس رسول الله (ص) تقاتل بها، وخبأت عرسك في البيت؟ أما بايعتني؟ قال: بايعتك وعلى عنقي اللج! وأصر طلحة على الحرب.
الوغى :
حاول عليّ منع الحرب عن طريق الإلتجاء إلى حكم المصحف. لكن يبدو أن حزب عائشة كان مصرّاً على الحرب. ولعبت عائشة الدور الأبرز في تحريض الناس على القتال. «كانت جهورية الصوت» . وظلّت تستفز حميتهم حتى عُقر الجمل، بعد أن قتل على خطامه أربعون رجلاً. وما أن هوى الجمل حتى آواه علي، وفيه عائشة، إلى وارف من ظله منيع، وجعل معها أخاها محمداً، وأطلق سراح الأسرى.
كانت معركة الجمل يوم الخميس، لعشرين خلون من جمادى الآخرة، سنة 36 للهجرة.
كان عدد القتلى، من حزب عائشة، ثلاثة عشر ألفاً، بمن فيهم طلحة والزبير؛ أما من حزب علي، فقتل نحو من ألف شخص .
ذيول الحرب … وطرائفها :
تخبرنا إحدى الروايات أن علياً «أمر المنادي، فنادى: ما كان لهم من مال في أهليهم فهو ميراث على فرائض الله! فقام رجل، فقال: كيف تحلّ لنا أموالهم، ولا تحلّ لنا نساؤهم ولا أبناؤهم؟ فقال: لا يحلّ لكم ذلك! فلما أكثروا عليه في ذلك، قال: اقترعوا، هاتوا بسهامكم! ثم قال: أيكم يأخذ أمكم عائشة في سهمه؟».
الطريف، أن عائشة التي أدّت بخروجها هذا إلى فتنة لم تغلق أبوابها قط - بغض النظر عن ألوف القتلى والجرحى من خيار المسلمين - تضايقت للغاية حين «جاء أعين ابن ضبة بن أعين المجاشعي حتى اطلع في الهودج، فقالت: إليك لعنة الله! فقال: والله ما أرى إلا حميراء! فقالت له: هتك الله سترك وقطع يدك وأبدى عورتك! فقتل بالبصرة، وسلب وقطعت يده، ورمي به عرياناً في خربة من خرب الأزد»؛ الأطرف ، أن يستجيب لها الإله بمباشرية مخيفة رغم كلّ أعمالها التي تخالف أبسط أوامر هذا الإله!
رغم كلّ المبررات التي يلفقها الإسلاميون المعاصرون لعائشة، لغسلها من مصائب الجمل وذيولها، فقد كانت هي ذاتها مسكونة بشعور الإثم بسبب فعائلها. تورد إحدى الروايات أنه «ذكر لعائشة يوم الجمل فقالت: وددّت لو جلست كما جلس صواحبي»؛ أو: «كان أحبّ إليّ من أن أكون ولدت من رسول الله بضع عشرة رجال كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أو مثل عبد الله بن الزبير». ويقول أحد الرواة: «حدثني من سمع عائشة (رض)، إذا قرأت هذه الآية، «وقرن في بيوتكن» [أحزاب 33]، بكت حتى تبل خمارها». يذكر أيضاً، أن عائشة قالت: «إذا مرّ ابن عمر فأرونيه. فلما مرّ، قيل لها: هذا ابن عمر! قالت: يا أبا عبد الله، ما منعك أن تنهاني عن مسيري [يوم الجمل]؟ قال: رأيت رجلاً قد غلب عليك وظننت أنك لا تخالفينه - يعني ابن الزبير! قالت: أما لو أنك نهيتني ما خرجت - تعني: مسيرها في فتنة يوم الجمل». وقيل: «إن ابن عبّاس دخل على عائشة قبل موتها، فأثنى عليها، فلما خرج، قالت لابن الزبير، أثنى عليّ عبد الله بن عبّاس ولم أكن أحب أن أسمع أحد اليوم يثني علي، لوددّت أني كنت نسياً منسياً»؛ أو: «وددّت أني إذا مت، كنت نسياً منسياً»؛ أو: «يا ليتني كنت ورقة من هذه الشجرة»؛ وقيل أيضاً «إن عائشة لما احتضرت جزعت، فقيل لها: أتجزعين يا أم المؤمنين، وابنة أبي بكر الصدّيق؟ فقالت: إن يوم الجمل لمعترض في حلقي! ليتني مت قبله، أو كنت نسياً منسياً». لذلك طلبت قبيل وفاتها أن لا تدفن مع النبي، قائلة: «إني قد أحدثت بعد رسول الله (ص)، فادفنوني مع أزواج النبي (ص)»؛ قال الذهبي: «تعني بالحديث: مسيرها يوم الجمل»( . - كيف لا، وكانت لعنة الجمل تلاحقها في كلّ الأفواه باستمرار؟ يروى «أن رجلاً نال من عائشة (رض) عند عمار بن ياسر؛ فقال: أغرب مقبوحاً منبوذاً، أتؤذي حبيبة رسول الله (ص)؟» .
لكن كلّ هذا الندم لم يغسل قلبها، وهي أم المؤمنين، من كراهية أميرهم : عليّ بن أبي طالب. فقد ظلّت تكرهه حتى بعد مماته. تحدثنا روايات كثيرة، أن عائشة، لما بلغها «قتل عليّ (رض)، قالت:
فألقت عصاها واستقر بها النوى   كما قر عيناً بالإياب المسافر
فمن قتله؟ قيل: رجل من مراد! فقالت:
فإن يك نائياً فلقد نعاه  غلام ليس في فيه التراب».
وفي رواية أخرى، أنها «سجدت لله شكراً، وأظهرت السرور وتمثلتفقالت زينب بنت أم سلمة: ألعلي تقولين هذا؟ فقالت: إني أنسى، فإذا نسيت فذكروني». وفي نص مقاتل الطالبيين يقال إن الذي جاءها بنعيه هو سفيان بن أبي أمية….. ( يتبع )

الأوسمة: , ,

اترك رد