أم المؤمنين تأكل أولادها ….. ( 23 ) - نبيل فياض
كلمة النهاية
لا بد أن يتساءل المرء عن سر كلّ هذه الكتابات النقد - إسلامية التي «تفيض» عنّا بكرم غير مسبوق! هل هو العداء للإسلام؟ لا، فالعدائية بين ذات وموضوع أقرب ما تكون إلى العبث!!! هل هي العدائية للمسلمين؟ هنا، لا بد أن نقف!
إنّ مقولة العدائية للمسلمين لا يمكن أن تنطبق علينا بأية حال! فإلى جانب انتمائنا الشخصي إلى الأرومة الإسلامية - رغم أن هذا ليس كافٍ بحد ذاته كحجة غير مرفوضة في سياق من تلك النوعية - فنحن نتمسّك بالانتماء إلى منطقة ذات غالبية إسلامية بأصابعنا وأسناننا، ونرفض أي وطن علماني بديل مهما بدت المغويات مبهرة، والمنفّرات في أرض الوطن مقزّزة - وهذا هو تحديداً سرّ نقديتنا الإسلامية العنيفة التي تتاخم أحياناً حدود التهكّم.
إنّ انغماسنا في وطن إسلامي هو تحديداً سبب نقديتنا العنيفة للإسلام. فنحن لم نشعر قط باللاانتماء إلى هذا الوطن: وربما لن نشعر؟ ولأن هذا الانتماء يمتصنا، فنحن ممتلكون من مسؤولية لا تُحدّ حيال شعب الوطن الذين هم في غالبيتهم، كما قلنا، من المسلمين. والمسلمون كلهم في خطر: هنالك مؤامرة تسحقهم كلّ يوم - مؤامرة متواصلة - اسمها، للأسف، الصورة المتداولة للإسلام.
الصورة المتداولة للإسلام عدوة للمسلمين؟ سؤال غريب مستهجن لا بد أنه سيفتح شهية التكفير عند المستفيدين من تواصلية متحف الشمع السقيم في اغتصاب عقول منفعلة لملايين «الأحياء» من المسلمين!
الصورة المتداولة للإسلام عدوة للمسلمين - مقولة مخيفة! ربما تثير كلّ ما هو عدائي في أعصاب كلّ من هو مسلم!
لكننا سنتساءل بواقعية: ماذا لو فتحت دول الغرب (أو اليابان) المتحضّرة «الكافرة» أبوابها للمسلمين؟ كم سيبقى منهم في ديار الإسلام وتحت راياته؟
باستثناء تلك الدول القابعة على نفط لم تصنعه أو تخترعه، والتي ستعود إلى سابق عهدها من البداوة مع نضب النفط من عروقها واستنزاف موارده في جيوب مستورديه، لأنها دول تستهلك الحضارية لا تبدعها (البدعة ضلالة)، فلا أعتقد أنه سيبقى مسلم - إلا ما ندر - في بلاده، وتحت رايات إسلامه.
أليس هذا أحد أشكال التناقض الذاتي؟ المسلمون يكرهون الغرب ويكفّرونه ويبذلون الغالي والرخيص في الوقت ذاته كي يجدوا لأنفسهم «مرقد معزة» تحت شمس حضارته! المسلم، في تناقض ذاتي قاتل، يشتم الغرب ويحلم بحريته! المسلم، في أسوأ أنواع الفصام، يقرف من التحلّل الأخلاقي (كذا) في مجتمعات الغرب، ويتمنى لو استطاع أن يمتلك يوماً الحد الأدنى من حقوق الإنسان في تلك المجتمعات. وتزداد المأساة شمولية حين نعرف أن شيوخ المسلمين - وهم المسيطرون الفعليون منذ مئات السنّين على مجتمعات متحف الشمع - يفسّرون، كذباً، لعوامهم أنّ سبب انتقال الحضارة من العالم الإسلامي (كذا) إلى عالم الكفر هو الابتعاد عن الإسلام. فهل هذا صحيح؟
الصحيح هو العكس تماماً: فكلما زاد اقتراب المسلم من الصورة المتداولة للإسلام، زاد ابتعاده عن الحضارة! واسأل أفغانياً! هل نفصّل ببعض أمثلة؟ سنحاول.
الحضارة لها «مقوماتها»: فما هو موقف الصورة المتداولة للإسلام من مقومات الحضارة؟
الحريات العامة والخاصة مسألة بالغة الأهمية في خلق مجتمع متحضر - حر: فإلى أي مدى يمكن القول إن الصورة المتداولة للإسلام تقرّ بالحريات عموماً؟ لا بأس من ذكر محطات تاريخية حرجة ومفاهيم أُصّلت إسلامياً للإجابة على سؤال كهذا؟ حروب الردّة؛ حادثة سقيفة بني ساعدة؛ قتل ابن الوليد لبني جذيمة؛ ما حدث لبعض الأفراد في فتح مكة، الذين قتلوا رغم تعلّقهم بأستار الكعبة؛ قتل كلّ من راودت له نفسه هجاء النبي أثناء حكم الأخير في المدينة؛ حرب الجمل؛ كربلاء؛ صفين؛ الحرة… مفاهيم على شاكلة ديار الإسلام وديار الكفر؛ أحكام أهل الذمة؛ الموقف من أتباع الديانات غير اليهودية أو المسيحية؛ الموقف من الإلحاد أو اللاأدرية؛ الموقف من العقل - كلّ ذلك يشير في اتجاه رفض الصورة المتداولة للإسلام الكامل للرأي الآخر (حتى ضمن الإسلام ذاته)؛ ودون رأي آخر لا حركية فكرية وبالتالي لا تقدّم في ارتقائية العقل التصاعدية.
الاقتصاد؟ الصورة المتداولة للإسلام معادية لكل ضروب الاقتصاد الحضاري. هل ثمة من يجادل بعقم الأزمة الاقتصادية في معظم بلاد الإسلام وتدافع أبناء تلك البلاد على الهجرة إلى دار الكفر حتى وإن اقتضى الأمر المخاطرة بحياتهم؟ هل عند الصورة المتداولة للإسلام بديل لمقولة «تناكحوا فإني مفاخر بكم الأمم»؟! هل يوجد مسلم أوحد لا يعتقد أنّ الطفل يطلّ على هذا العالم وتحت إبطه رزقه؟ أليس هذا الاعتقاد السوداوي هو علّة العلل في الوضع الاقتصادي المتراجع الذي تعيشه المنطقة العربية عموماً هذه الأيام؟ وأية حكومة عبقرية تلك التي باستطاعتها علاج أزمات شعب يتضاعف كلّ عشر سنوات، يصحّر الأراضي ويجفف الأنهار والموارد؟
حقوق الإنسان ركيزة أخرى من ركائز الحضارة. لكن حقوق الإنسان جملة سيئة السمعة في أذني كلّ شيخ، لأنها تعني ببساطة سحب البساط من تحت ساقيه. والأدهى أن المسلم، في تناقض ذاتي لا حلّ له، يطالب بحقوقه كإنسان حيثما حلّ - جوقة الندب الإسلامية ناشطة في كلّ دول العالم المتحضر، والتي تتبرع محطات النفط التلفزيونية في نقل حفلات زارها إلى كلّ بيت - ويندب مصادرة تلك الحقوق من الفيلبين إلى الولايات المتحدة ؛ في حين يرى ببراءة ساذجة أنه من البديهي أن لا يمتلك الآخر المخالف في الرأي أيّ حق إنساني (إلا إذا تفضل عليه المسلم بذلك) في دار الإسلام.
مثال 1:
السعوديون يملأون الكون ضجيجاً، كعادة البدائيين في التعبير عن ذواتهم، بأنهم يعمّرون بيوتاً لله في كلّ مكان من دار الكفر؛ بل لقد بلغت الوقاحة بهم أنهم اشتكوا من أنّ الإيطاليين رفضوا أن يجعلوهم يعلون إحدى مآذنهم المتاخمة للفاتيكان فوق قبة إحدى كنائس عاصمة المسيحية الأشهر؛ في حين يحرّمون على من هو غير مسلم التعبير عن إيمانه علناً، بأية طريقة كانت، في مملكتهم المقدسة!
مثال 2 :
في إيران الخمينية، التي تحاول خلق انطباع ديمقراطية من نوع معين (- الديمقراطية الموجّهة أسوأ أنواع الدكتاتورية - ) للإدعاء، زوراً، بديمقراطية الصورة المتداولة للإسلام، فتحت أبواب ندب الديمقراطية - وهم، إرثياً، سادة الندب كما قلنا في «كلمة البداية» - على مصراعيها حين طردت فتاتان «محجبتان» من إحدى المدارس الفرنسية العلمانية [وهما غير فرنسيتين أصلاً؛ وموجودتان مع أسرتيهما في فرنسا للاستفادة من ظروف هذا البلد العلماني الاقتصادية] لرفضهما خلع الحجاب، الهوية الفعلية للإسلام السياسي الأنثوي؛ بالمقابل، فإن هذا الحجاب، سيّد القضايا المتناقضة في الإسلام، مفروض دون مبرر في إيران الخمينية الزائفة الديمقراطية على الجميع، بمن فيهم الزرادشتية، المواطنة الإيرانية الأصيلة، أو أية زائرة غريبة، رماها سوء قدرها في ذلك البلد - بغض النظر عن أرضيتها الثقافية. «شرعهم، الذي يعتقدون بألوهة مصادره - لأنهم لا يعرفون إله الآخر جيداً - أكبر من الديمقراطية وأكثر أهمية: بما لا يقارن».
مثال 3 :
كل وسائل الإعلام الإسلامية، عربية وغير عربية، تشارك في كربلاء متواصلة، حداداً على أوضاع المسلمين واضطهادهم في الفليبين. ورغم أن كربلاء مورو هذه لا تُدعم بأية أدلة وإلا لكانت وسائل الإعلام تلك عممتها بكل الأبهة الشعورية لرفع سوية هياج العامة إلى أعلى مستوياتها، إلا أن الجميع يطالبون بمنح هؤلاء المستضعفين - لديهم حركة قتالية ذات توجه متطرف إرهابي تسعى إلى زعزعة النظام والاقتصاد بكل الوسائل الممكنة - دولة مستقلة أو على الأقل حكماً ذاتياً ضمن الكيان الفليبيني، رغم ضآلة عددهم وتفاهة نسبتهم المئوية قياساً إلى باقي الشعب هناك. بالمقابل، فإنّ الاضطهادين الشعبي والرسمي للأقباط في مصر - وهو اضطهاد نمتلك شخصياً أدلة دامغة عليه، بغضّ النظر عما تذكره الصحف المصرية بين الفينة والأخرى - يصل أحياناً إلى حدود تذكرنا بأيام العبودية وتبعاتها: أيام اعتبار أحدهم أن الآخر ملكه؛ أنه شيء ، متاع - أي: التطبيق الحرفي لأحكام أهل الذمة السيئة الصيت. والأقباط المصريون هم السكان الأصليون، أصحاب الوطن الفعليون (من قبط، جاءت كلّ تسميات مصر، التي هي، بالمناسبة، التسمية الحاخامية اليهودية التي لم يستعرها منهم شعب إلا نحن)، ونسبتهم العددية غير قليلة، رغم كلّ قسريات الردّة والإكراه على ترك الدين - هذا كله رغم أنف الإعلام الرسمي المصري، الذي نعتقد أنّ القائمين عليه مصريون مسلمون عموماً، ولم يستورَدوا من إحدى الدول المتحضرة التي تؤمن بحق الإنسان في الاعتقاد وممارسة ذلك الاعتقاد.
المرأة، التي تشكّل نصف المجتمع، والتي هي الرحم الذي تخرج منه تربية الجيل والتحكّم في ميوله المستقبلية وأسلوب نظرته للحياة، تعتبر أحد المعايير التي تستخدم لقياس مدى التحضر أو العكس. فما هي المرأة في الصورة المتداولة للإسلام؟ المرأة، باختصار، هي «متاع»؛ «ضلع أعوج يجب الاستمتاع به كما هو لأن تقويمه يكسره»؛ المرأة بنصف عقل وشهادتها بنصف شهادة - وحتى الآن، لا تسمح دولة الكويت الديمقراطية للمرأة بأن تنتخب، ولا تسمح لها معظم الدول الإسلامية بالوصول إلى مناصب بعينها لأنها غير كفؤ عقلياً. مع ذلك، فالمشايخ الذين يتحاشدون ليل نهار في محطات النفط التلفزيونية لا يملون الحديث عن تكريم الإسلام للنساء وإذلال الحضارات الغربية لهن.
الصورة المتداولة للإسلام، عدوة للحضارة، وهي بالتالي عدوة للمسلمين - لأنه، باستثناء المختلين عقلياً ونفسياً، لا يوجد من يرفض الحضارة.
المسلمون … ونحن
نحن، بالفعل، نشعر بانتمائنا العميق إلى المسلمين من أهل الوطن، مثلما نشعر بانتمائنا إلى غير المسلمين. وحين نبحث عن تحرير المسلمين من قيود الصورة المتداولة للإسلام، فذلك فقط لأننا نشعر برغبة لا ضوابط لها في انتقال المسلمين من صحراء التخلف والإرهاب إلى واحات الحضارة والحرية. كان باستطاعتنا أخذ موقف اللامبالاة؛ كان باستطاعتنا ترك الوطن والهجرة - والأمر أسهل من أن يوصف! لكن عمق إحساسنا بالانتماء يفرض علينا البقاء والمواجهة وتحمل كلّ الشتائم والإهانات والاتهامات لوضع لبنة واحدة في صرح الحضارة.
هذا الكتاب غير موجه ضد المسلمين؛ هذا الكتاب نقد للصورة المتداولة للإسلام؛ كشف للمسلمين عن حقائق دامغة يعمل كلّ مشايخهم كلّ ما في طاقتهم للحفاظ عليها محجوبة - كالمهدي - عن عيون أتباعهم: لا لسبب، إلا ليقتلوا فيهم الشك - والشك هو البداية الفعلية للتفكير: والتحرر.
هذا الكتاب، ونحن نعرف سلفاً أنه سيواجه بسيل عارم من التكفير والتكذيب والتشويه، مجرّد تجميع لمواد من مصادر سنّية - والسنّة هم الذين يهموننا، لأن الشيعة هم سادة التملّص من الحقائق وتزوير الأحداث - من الدرجة الأولى. ومن يطعن بصحة ما ورد فيه، إنما يطعن بصحة تلك المصادر وموثوقيتها.
هذا الكتاب، يظهر أيضاً، أن تلك المصادر المحاطة بسيوف التكفير، المرمية فوق سطوح القداسة، مليئة بالتناقض؛ برواية الحدث بأساليب متباينة؛ بخللها التاريخي؛ بتحيزها؛ برؤيتها للأمور من منظور معين.
هذا الكتاب يظهر أولاً، أن أكثر ما يسيء إلى النبي وصحابته وبيته، إذا اعتبرنا أن كثيراً من تلك الأخبار كاذبة، هو التراث الإسلامي ذاته، الذي لا يتوانى لحظة عن تصوير النبي بأشنع الصور؛ إظهار صحابته كجماعة لا يهمها سوى إشباع رغباتها الدنيوية والصراع فيما بينها على مواقع السلطة التي تضمن تلك الرغبات؛ وتقديم بيته كوكر للقتال والنزال والشبق!
هذا الكتاب: دعوة لإعادة النظر في التراث؛ دعوة لإعادة النظر في كلّ ما يُسلَّم به على أنه حقائق؛ دعوة إلى رؤيا أخرى.
نقدنا للصورة المتداولة للإسلام العنيف أحياناً والتهكمي أحياناً أخرى، لا يهدف إلا إلى حث المسلمين على إعادة النظر في بيتهم الداخلي، فالكلام عن مؤامرة خارجية لم يعد يجدي نفعاً - فمنذ عقود ووسائل الإعلام الإسلامية لا تكلّ ولا تملّ الحديث عن تلك المؤامرة المزعومة؛ ورغم كلّ هذا، فصيرورة التقهقر في درب الحضارة ما تزال في تنام متصاعد.
هل هنالك من يسمع صرختنا؟
نبيل فياض
الأوسمة: history, islam, society
This entry was posted on فبراير 18, 2008 at 10:29 م and is filed under Blogs. You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed.
You can leave a response, or trackback from your own site.
فبراير 19, 2008 عند 11:03 م
مرحبا عزيزي عامر
اود ان تعلم بانني من المتابعين لمدونتك الشيقه
لكن اتساءل هل لديك اي تعليق على خبر مقتل الارهابي عماد مغنية
تحياتي
فبراير 20, 2008 عند 1:47 ص
عزيزي موزارت : تحية و سلاما … شكرا لمتابعتك المدونة ..
مغنية إرهابي دفع ثمن مغامراته الجهادية الطائشة ؛ و هو الآن كما كان يعتقد قبل مماته ؛ بين أحضان الحور العين و يعب من نهر الخمر هنيئا مريئا .. وربما يتناول كبه نيه أو فتوش أو تبوله مع …… فلان و علان ( لا داعي لذكر أسماءهم ) !!!
نتمنى أن يقبر الإرهابيون جميعا .. مغنية و ابن لادن و الظواهري و مقتدى و ابو حفص و أبو قتادة و أبو نعال و أبو خراء و من لف لفهم من شياطين البشر المؤدلجين بثقافة الكراهية و القتل !!
الى فناء أبدي : مغنية … و الى مزبلة التأريخ أيضا !!!
مارس 20, 2008 عند 6:03 ص
ameralamir انت تقول ان عماد مغنية بين احضان الحور العين ويعب من نهر الخمر ( هكذا بالطريقة الاستهزائية ) اعلم ان هناك بالفعل جنة عرضها كعرض السموات و الارض أعدت للمتقين (حط تحت للمتقين خط ) وهناك حور عين بالفعل وانهار من خمر لذة للشاربين وانهار من عسل مصفى و انهار من لبن لم يتغير طعمه و انهار من ماء غير اسن سواء استهزأت او انبطحت كل ما اكتبه لك و لامثالك قول الله تعالى (هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ) سؤال بسيط ارجو منك الاجابة اين كنت قبل 100 سنة و اين ستكون بعد 100 سنة من انت من انت خلاص اصبح لديك مخ تفكر فيه و لعب بك الشيطان واصبحت تستهزأ بالدين سبحان الله ( لكن هو الله ربي و لا اشرك بربي احدا) هو اللي خلقك و كبرك و رعاك الين صرت “دكر” وهو العالم بمصيرك نصيحتي لك و لامثالك (( لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظـــيم ))